Page Nav

HIDE

Grid

GRID_STYLE
latest

هلوسات رجل مثقف......المنسي 1

في صباح يومٍ آخر من أيامه المعتادة، كانت خطوات المنسي تتسارع على رصيف الحي القديم،



في صباح يومٍ آخر من أيامه المعتادة، كانت خطوات المنسي تتسارع على رصيف الحي القديم، حيث تعوّد أن يبدأ يومه في المقهى القريب. كان يحمل بين يديه مجموعة من الأوراق البيضاء، ملفوفة بعناية داخل جريدة قديمة ذات حجم كبير، تذكّر بجريدة "الجمهورية المصرية" التي لم تعد تُشاهد كثيرًا في زمننا هذا.

دخل المقهى بخطواتٍ متوترة، وكأنّ شيئًا ما يثقل صدره. ألقى التحية على النادل بصوتٍ خافت، ثم طلب "قهوة طالعة"، وهو المصطلح الذي يستخدمه دائمًا للإشارة إلى قهوة ساخنة طازجة. لم ينتظر الرد، بل استدار نحو القاعة شبه الفارغة، حيث كان الصباح لا يزال في بدايته، والهدوء يغلب على المكان.

لكنّ المنسي، كالعادة، لم يستطع كبح غضبه الذي ظهر فجأة. تمتم بكلماتٍ غاضبة: "تفوه أولاد الحرام... كلكم سراق"، ثم بصق على الأرض بحركة عفوية أثارت دهشة النادل وصاحب المقهى. بدا على وجه صاحب المحل علامات الحيرة والاستغراب، لكنه لم ينبس ببنت شفة. 

التفت المنسي بعد لحظات وكأنه استدرك خطأه، وقال للنادل بصوتٍ مملوء بالندم: "آسف يا صاحبي... ليست من عادتي أن أفعل ذلك أمام الناس". أخرج منديلًا ورقيًا من جيبه، وانحنى ليزيل آثار فعلته من الأرض. كان وجهه محمرًا من الخجل، وعيناه تبحثان عن عذرٍ مقنع لما بدر منه.

ردّ عليه صاحب المقهى بابتسامةٍ متسامحة: "لا بأس يا عمي. أحيانًا الغضب يجعلنا نتصرف دون وعي". ثم أضاف: "خذ مكانك المعتاد، وسأحضر لك قهوتك في الحال".

توجّه المنسي إلى زاويته المفضلة في نهاية الرصيف المحاذي للمقهى. كان هذا المكان هو ملاذه الوحيد حيث يمكنه أن ينعزل عن ضجيج الأحاديث اليومية التي لا تستهويه. لم يكن يحبذ الجلوس مع زبائن المقهى الآخرين، الذين كانوا غالبًا ما ينشغلون بالحديث عن أمور سطحية: "هل رأيت منشوري الأخير على الفيس بوك؟ لماذا لم تعلّق عليه؟" وغيرها من الأحاديث التي كان يجدها بلا جدوى.

جلس المنسي وأخرج أوراقه البيضاء من الجريدة القديمة. كان ينوي الكتابة، كما اعتاد كل صباح. الكتابة كانت ملاذه الوحيد للتعبير عن نفسه وعن همومه التي أثقلته طوال سنوات حياته. بدأ يخطّ الكلمات على الورق بحذر وهدوء، وكأنه ينقل جزءًا من روحه إلى تلك الصفحات الفارغة.

كانت أفكاره مشوشة، تتنقل بين الماضي والحاضر، بين أحلامٍ لم تتحقق وواقعٍ مرير أرهقه. تذكر أيام شبابه الأولى حين كان يمتلئ طموحًا وآمالًا بوطنٍ أفضل. لكن السنوات مضت سريعًا، وتركته يواجه حقيقة مختلفة تمامًا عن أحلامه. أصبح وطنه أسيرًا للصراعات والمصالح الضيقة، بينما بقي هو مجرد مواطن عادي، يحاول أن يجد لنفسه مكانًا وسط هذا الضجيج.

في تلك اللحظة، وضع القلم جانبًا وأخذ رشفة من قهوته التي أحضرها النادل للتو. كانت القهوة ساخنة ومرّة، تمامًا كأيامه. نظر إلى الشارع أمامه، حيث كانت الحياة تمضي كالمعتاد: أطفال يركضون نحو مدارسهم، وباعة متجولون ينادون على بضائعهم بصوتٍ عالٍ.

شعر المنسي بمرارةٍ في حلقه ليست من القهوة، بل من ذكرياتٍ ثقيلة تجتاح عقله بلا استئذان. تذكر كيف كان يحلم أن يكون كاتبًا معروفًا، ينشر كتبه في كل مكان ويقرأها الناس بشغف. لكنه الآن يجلس وحيدًا في زاوية مقهى صغير، يكتب لنفسه فقط، دون أن يعلم أحد بما يدور في داخله.

مع ذلك، لم يكن المنسي يائسًا تمامًا. كان يعلم أن الكتابة هي وسيلته الوحيدة للبقاء على قيد الحياة النفسية. فهي تمنحه شعورًا بالتحرر من قيود الواقع القاسية. وبينما كان يستمر في الكتابة، بدأ يشعر بشيء من الراحة يتسلل إلى قلبه.

في نهاية الصباح، جمع أوراقه ووضعها مجددًا داخل الجريدة القديمة. نهض من مكانه ببطء، ودفع حساب القهوة للنادل بابتسامة خفيفة. ثم خرج من المقهى وعاد يمشي على الرصيف نفسه الذي جاء منه.

كان يومًا آخر في حياة المنسي، لكنه بالنسبة له كان يومًا جديدًا لمحاولة فهم الحياة وتقبلها كما هي، رغم كل ما تحمله من تناقضات وألم.

ليست هناك تعليقات