قررت أن أتحرر من قبضة المنزل الذي يبدو وكأنه سجن فاخر، حيث الجدران لا تكتفي بمراقبتي، بل أصبحت خبيرة في قراءة أفكاري.
قررت أن أتحرر من قبضة المنزل الذي يبدو وكأنه سجن فاخر، حيث الجدران لا تكتفي بمراقبتي، بل أصبحت خبيرة في قراءة أفكاري.
لا أعلم متى تعلمت الجدران هذه المهارات، لكنها بالتأكيد تفوقت على المدام التي لديها بالفعل شهادة دكتوراه في فنون التدقيق والتفتيش.حملت حقيبتي الصغيرة، تلك الحقيبة التي بالكاد تتسع لهاتفي وكتاب واحد،
لكنني أصررت على أن أكون مستعدًا لأي سيناريو. وضعت كتابًا يناسب مزاجي المتقلب،
وهو في الغالب كتاب فلسفي معقد يجعلني أشعر وكأنني عبقري لمجرد أنني أحمله. أضفت
كيسًا من الأوراق والأقلام، لأنني دائمًا ما أتوهم أنني سأجلس في أحد المقاهي
وأكتب رواية تغير مجرى الأدب العربي.
خرجت من الباب وأنا أشعر وكأنني بطل فيلم درامي، نظرت إلى السماء بتلك
النظرة العميقة التي توحي بأنني أفكر في معنى الحياة، بينما كنت في الواقع أفكر في
أي مقهى يقدم قهوة بسعر معقول.
أثناء سيري، اكتشفت أن الشوارع مليئة بأشخاص مثلي، كلهم يحملون حقائب صغيرة
وكتبًا يتظاهرون بقراءتها. شعرت بأنني جزء من نادي سري غير معلن، نادي
"الهاربين من الجدران".
جلست في أحد المقاهي، طلبت قهوة سوداء لأبدو أكثر جدية، وفتحت الكتاب كما
لو أنني على وشك حل لغز وجودي عميق. لكن الحقيقة هي أنني كنت أقرأ نفس الجملة
للمرة الخامسة دون أن أفهم شيئًا.
أخرجت الأوراق والأقلام، ربما الإلهام سيزورني الآن. رسمت خربشة بدت وكأنها
محاولة فاشلة لرسم شجرة، ثم قررت أن أطلق عليها اسم "شجرة الحرية". شعرت
بالفخر للحظة قبل أن يأتي النادل وينظر إلى الرسم نظرة مليئة بالشفقة.
وقبل أن أغادر، توجهت إلى المطبخ بخطوات بطيئة، وكأنني أخشى مواجهة ما ينتظرني
هناك. وبالفعل، كان المشهد مأساويًا: بقايا السردين تقبع في الزاوية وكأنها تقول:
"أنا هنا ولن أذهب بسهولة." حاولت أن أتجاهلها، لكن ضميري - أو بالأحرى
خوفي من محاضرة المدام - لم يسمح لي بذلك.
أخذت نفسًا عميقًا وقررت أن أتعامل مع الأمر بجدية. ارتديت قفازات المطبخ
التي لا أستخدمها إلا في المناسبات الكارثية، وأمسكت بالكيس البلاستيكي وكأنني
أمسك بدرع يحمي حياتي. بدأت العملية بحذر شديد، محاولاً ألا أستنشق الرائحة أكثر
مما هو ضروري.
وفي اللحظة التي وضعت فيها آخر قطعة من السردين في الكيس وأغلقت فمه
بإحكام، شعرت وكأنني أنجزت مهمة بطولية. لكن المعركة لم تنتهِ بعد. كان عليّ الآن
التخلص من الكيس بطريقة لا تثير الشبهات. حملته معي وكأنني أحمل كنزًا ثمينًا،
متجهًا نحو باب المنزل.
وفي طريقي للخروج، تخيلت نفسي بطل فيلم أكشن يهرب بحقيبة مليئة بالأسرار.
كنت أتوقع أن يظهر أحد الجيران فجأة ليسألني عن محتويات الكيس، لكن لحسن الحظ، لم
يحدث ذلك. وصلت إلى الحاوية العامة وألقيت بالكيس فيها بحركة درامية، وكأنني أقول
للسردين: "لقد انتهى أمرك.".
خرجت من المنزل وكأنني أهرب من سجن مؤبد، ولكن بنشوة المنتصر الذي حصل على
عفو ملكي. وضعت قدمي اليسرى أولاً، كما أوصت جدتي، وكأن هذا الطقس السحري سيحميني
من كل أنواع المصائب، بدءًا من الحسد وانتهاءً بالزلازل. وبينما أتمتم الأدعية
التي حفظتها منذ أن كنت طفلًا لا يعرف الفرق بين الشوكولاتة والباذنجان، تذكرت
كلماتها الخالدة: "الطاقة عندها عينان". يا لها من حكمة! وكأن الطاقة
تعمل في وظيفة مراقب بلدية.
مشيت بحذر شديد، متجنبًا كل ما يمكن أن يحمل "طاقة" سلبية:
النوافذ، السيارات، وحتى القطط التي تنظر إليّ وكأنها تعرف أسراري كلها. وصلت إلى
محطة النقل بعد أن قطعت مسافة 200 متر، شعرت وكأنني عبرت القارات السبع. وهنا بدأت
معضلة جديدة: هل أختار الحافلة أم التاكسي؟
إذا ركبت الحافلة، سأكون محاطًا برائحة عرق الصيف التي يمكن أن تُستخدم
كسلاح كيميائي في الحروب. بالإضافة إلى وجوه الركاب الذين يبدو أنهم فقدوا الأمل
في الحياة منذ سنوات طويلة. وإذا اخترت التاكسي، فسأدخل في نقاش فلسفي مع السائق
الذي سيحاول إقناعي بأن مشاكل الكون بأسره تبدأ وتنتهي عند الحكومة والجيل الجديد.
قررت أن أعيش يومًا مختلفًا، يومًا مليئًا بالمغامرات الصغيرة التي تجعلني
أشعر وكأنني بطل فيلم كوميدي رديء الإنتاج. بدأت المغامرة بقرار جريء: ركوب الحافلة
العامة. لم يكن الأمر يتعلق بالاقتصاد أو الحفاظ على البيئة، بل كان مجرد فضول
لرؤية الحياة من زاوية "الركاب المجهولين".
دخلت الحافلة وأنا أشعر وكأنني دخلت إلى مسرح مليء بالشخصيات الغريبة. هناك
الرجل الذي يتحدث بصوت عالٍ على هاتفه عن صفقة لم تحدث قط، والسيدة التي تحمل
كيسًا يبدو أنه يحتوي على نصف محتويات المطبخ، وطفل صغير يصرخ بلا سبب واضح سوى
أنه يستطيع. جلست في مقعدي محاولًا أن أبدو وكأنني جزء طبيعي من هذه الفوضى، لكنني
كنت أعلم جيدًا أنني مجرد متفرج في هذا العرض.
أخرجت كتابي، ظنًا مني أن القراءة ستنقذني من دوامة الضوضاء. لكن، كما هو
متوقع، كانت الحافلة مصممة لتعذيب أي قارئ طموح. كلما فتحت صفحة، جاء اهتزاز
الحافلة ليحولها إلى مروحة ورقية. وإذا نجحت في الإمساك بالصفحات، يأتي أحد الركاب
بتعليق ساخر عن الطقس أو الحكومة ليعيدني إلى الواقع.
أخيرًا، وصلت إلى وجهتي: حديقة صغيرة كنت أعتقد أنها ستكون ملاذًا للهدوء.
لكن، بالطبع، كيف يمكن أن يكون هناك هدوء في عالم حيث الأطفال موجودون؟ كانت
الحديقة تعج بهم، يركضون ويصرخون وكأنهم يتنافسون على لقب "أعلى صوت في
الكون". حاولت أن أجد مكانًا بعيدًا عن كل هذا الصخب وجلست تحت شجرة كبيرة،
متمسكًا بكتابي وكأنه طوق نجاة.
لكن السلام لم يدم طويلًا. فجأة، شعرت بشيء يصطدم برأسي. رفعت نظري لأرى
كرة صغيرة تتدحرج بعيدًا وطفلًا ينظر إليّ بابتسامة بريئة وكأنه يقول: "كانت
مجرد تجربة فيزيائية". حاولت أن أبتسم له، لكن داخلي كان يصرخ. قررت أن أغلق
الكتاب وأكتفي بمراقبة الفوضى من بعيد.
في تلك اللحظة، أدركت أن الهروب من "حبس البيت" إلى "حبس
الحديقة" لم يكن فكرة عبقرية كما توقعت. جمعت أوراقي وأقلامي وقررت العودة
إلى المنزل، حيث على الأقل يمكنني أن أتناقش مع المدام عن سمك السردين بدلًا من تحمل
صراخ الأطفال.
وعندما وصلت إلى البيت، شعرت وكأنني عدت من رحلة استكشافية في أدغال
الأمازون. وضعت حقيبتي جانبًا وأنا أفكر في خطة جديدة للهروب في المرة القادمة.
ربما سأجرب "حبس المكتبة"، حيث الكتب هي الوحيدة التي تتحدث ولا تصرخ.
prayer-times.info
ليست هناك تعليقات