كلما مررت بأحد معالم مدينتي القديمة، أجد نفسي غارقًا في بحر من الذكريات.
كلما مررت بأحد معالم مدينتي القديمة، أجد نفسي غارقًا في بحر من الذكريات.
تلك الأماكن التي كانت يومًا ما تعج بالحياة، أصبحت اليوم مجرد أطلال تروي حكايات زمن مضى. مدينة كانت لي وطنًا داخل الوطن، احتضنتني بين أزقتها وأهدتني طفولة مليئة بالفرح والبراءة، أصبحت الآن غريبة عن نفسها وعن أبنائها.أتذكر حديقة المدينة، حيث كانت الزهور تملأ المكان بألوانها وروائحها
العطرة. كم قطفنا من زهورها لنزين بها لحظاتنا الصغيرة، وكم ركضنا بين أشجارها ونحن
نلهو بلا هموم. أما المدرسة، تلك التي احتضنت أحلامنا الصغيرة، فقد كانت شاهدة على
أولى خطواتنا نحو العلم. كم من قطرات الحبر سالت على طاولاتها ونحن نحاول كتابة أحلامنا
على الورق، وكم من ضحكات صدحت في ممراتها.
ولا أنسى ذلك الملعب الذي كان مسرحًا لأجمل مبارياتنا. ملعبٌ شهد
على دمائنا التي سالت ونحن نتعثر وننهض لنكمل اللعب بلا توقف. كانت تربته تشرب عرقنا
ودماءنا كأنها تشاركنا فرحة اللحظة.
لكن اليوم، كل شيء تغير. تلك الأماكن التي كانت نابضة بالحياة أصبحت
مهجورة أو مهملة. ربما بفعل الزمن، وربما بسبب إهمالنا نحن. حين أتحدث مع أصدقائي وسكان
المدينة، أجد الحنين في أصواتهم. البعض يشتاق إلى الزمن الجميل ويتمنى لو يعود، والبعض
الآخر يلوم الواقع الذي تعيشه المدينة الآن. حتى المقاهي التي كانت تجمعنا أصبحت فارغة،
وكأنها فقدت روحها.
افتقدنا تلك القعدات البسيطة والسهرات الليلية التي كانت تجمع أبناء
الحي الواحد. كنا نجتمع على لعبة الدامة أو الدومينو، نتبادل الأحاديث والضحكات على
أرصفة الحي العتيقة مثل حي بابا علي وسيدي الموفق. أين ذهبت تلك الأيام؟ لماذا لم نحافظ
عليها؟
اليوم نقف على أطلال الماضي، نلوم أنفسنا ونلوم بعضنا البعض. نتقاذف
التهم ونبكي على أيام ضاعت منا ولم نحسن استغلالها. لكن السؤال الحقيقي هو: لماذا ضاعت
مدننا؟ هل لأننا لم نحبها بما يكفي؟ أم لأننا خذلناها؟ أم أننا ببساطة فقدنا انتماءنا
لها؟
ربما الإجابة تكمن في أفعالنا نحن. نحن من تركنا مدننا تتلاشى تحت
وطأة الإهمال والنسيان. نحن من لم نمنحها الحب والرعاية التي تستحقها. لكن الأمل لا
يزال موجودًا. يمكننا أن نعيد الحياة إلى مدننا إذا قررنا أن نكون جزءًا من الحل بدلًا
من أن نكون جزءًا من المشكلة.
فلنعد إلى مدننا بعضًا من الحب الذي فقدته. لنحافظ على معالمها ونحيي
ذكرياتها. لأن المدينة ليست مجرد مكان نعيش فيه، بل هي روح تسكن فينا وتعيش معنا.
من كتاب ذاكرة مدينة محمد مخفي

prayer-times.info
ليست هناك تعليقات